البغدادي

106

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

ويقبح أن تدخل الفاء إذا كانت الصفات مجتمعة في الموصوف ، فلا يحسن أن يقال عجبت من فلان الأزرق العين ، فالأشمّ الأنف ، فالشديد الساعد ؛ إلّا على وجه يبعد ، لأن زرقة العين ، وشمم الأنف ، وشدّة الساعد ، قد اجتمعن في الموصوف » . انتهى . والصواب أن يقال متعاقبة بدل متراخية ، فإنّ التعاقب هنا كالتعاقب في قولك : تزوّج زيد فولد له ، وكذلك كل شيء بحسب حصوله وإن كان فيه تراخ . وقال ابن جنّي في « إعراب الحماسة » « 1 » : أراد : الذي يصبح العدوّ بالغارة ، فيغنم ، فيؤوب سالما ، فعطف الموصول على الموصول ، وهما جميعا لموصوف واحد . والشيء لا يعطف على نفسه ، من حيث كان العطف نظير التثنية في المعنى ، فكما لا يكون الواحد اثنين ، كذلك لا يعطف الواحد على نفسه ، [ بل إن جاز أن يكون الواحد اثنين ، وليجوزن أن يكون ما فوق ذلك إلى ما لا غاية له كثرة ] « 2 » . وعلّة جواز ذلك قوّة اتصال الموصول بصلته ، حتّى إنه إذا أريد عطف بعض صلته على بعض [ جيء به « 3 » ] هو معطوف في اللفظ على نفسه . ومثله « 4 » قول اللّه تبارك وتعالى « 5 » : « الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ » إلى آخر الآية . وهذا كلّه صفة موصوف واحد ، وهو القديم عزّ اسمه . وقد تقصّيت هذا في كتاب « 6 » « المعرب » وهو تفسير قوافي أبي الحسن . فأمّا قول اللّه تعالى « 7 » : « وَالْعادِياتِ ضَبْحاً . فَالْمُورِياتِ قَدْحاً . فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً » فقد يمكن أن يكون ممّا نحن فيه ؛ وقد يمكن أن تكون العاديات غير الموريات ، والمغيرات غيرهما ؛ فيكون عطف موصوف على موصوف آخر حقيقة لا مجازا ، كقولك :

--> ( 1 ) إعراب الحماسة ( مصورة دار الكتب ورقة 32 ، 33 ) مع اختلاف يسير . وشرح أبيات المغني للبغدادي 4 / 30 . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق من شرح أبيات المغني 4 / 30 نقلا عن مخطوطة دار الكتب . ( 3 ) زيادة يقتضيها السياق من شرح أبيات المغني للبغدادي 4 / 30 ومخطوطة إعراب الحماسة ورقة 34 . ( 4 ) في النسخة الشنقيطية : " ومثل " . وهو تصحيف صوابه شرح أبيات المغني وطبعة بولاق . ( 5 ) سورة الشعراء : 26 / 79 - 80 . ( 6 ) في طبعة بولاق : " كتابي " . وهو تصحيف صوبناه . ( 7 ) سورة العاديات : 100 / 1 - 3 .